الجصاص
252
أحكام القرآن
إن قوله تعالى : ( ولا يكتمون الله حديثا ) داخل في التمني بعدما نطقت جوارحهم بفضيحتهم . وقيل : إن معناه أنه لا يعتد بكتمانهم ، لأنه ظاهر عند الله لا يخفى عليه منه شئ ، فكان تقديره أنهم غير قادرين هناك على الكتمان لأن الله يظهره . وقيل : إنهم لم يقصدوا الكتمان ، لأنهم إنما أخبروا على ما توهموا ، ولا يخرجهم ذلك من أن يكونوا قد كتموا ، والله تعالى أعلم . باب الجنب يمر في المسجد قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ) . مطلب : في تفسير السكر المراد بهذه الآية قال أبو بكر : قد اختلف في المراد من السكر بهذه الآية ، فقال ابن عباس ومجاهد وإبراهيم وقتادة : " السكر من الشراب " . وقال مجاهد والحسن : " نسخها تحريم الخمر " . وقال الضحاك : " المراد به سكر النوم خاصة " . فإن قيل : كيف يجوز أن ينهى السكران في حال سكره وهو في معنى الصبي في نقص عقله ؟ قيل له : يحتمل أن يريد السكران الذي لم يبلغ نقصان عقله إلى حد يزول التكليف معه ، ويحتمل أن يكونوا نهوا عن التعرض للسكر إذا كان عليهم فرض الصلاة ، ويجوز أن يكون النهي إنما دل على أن عليهم أن يعيدوها في حال الصحو إذا فعلوها في حال السكر ، وجائز أن تكون هذه المعاني كلها مرادة بالآية في حال نزولها . فإن قال قائل : إذا ساغ تأويل من تأولها على السكران الذي لم يزل عنه التكليف ، فكيف يجوز أن يكون منهيا عن فعل الصلاة في هذه الحال مع اتفاق المسلمين على أنه مأمور بفعل الصلاة في هذه الحال ؟ قيل له : قد روي عن الحسن وقتادة أنه منسوخ ، ويحتمل إن لم يكن منسوخا أن يكون النهي متوجها إلى فعل الصلاة مع الرسول صلى الله عليه وسلم أو في جماعة . قال أبو بكر : والصحيح من التأويل في معنى السكر أنه السكر من الشراب من وجهين ، أحدهما : أن النائم ومن خالط عينه النوم لا يسمى سكران ، ومن سكر من الشراب يسمى سكران حقيقة ، فوجب حمل اللفظ على الحقيقة ولا يجوز صرفه عنها إلى المجاز إلا بدلالة . والثاني : ما روى سفيان عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن عن علي قال : " دعا رجل من الأنصار قوما فشربوا من الخمر ، فتقدم عبد الرحمن بن عوف